دراسات وتقارير

الحق في النفاذ الى المعلومة: مخاض التشريع وتحديات التطبيق في ليبيا ومصر وتونس

This post is also available in: الإنجليزية

شكر وتقدير

يتقدم مركز دعم بالشكر والتقدير لكل من ساهم في خروج هاته الدراسة بشكلها الحالي ونخص بالشكر السادة الخبراء الحقوقيين والسياسيين وأعضاء الجمعيات التأسيسية والبرلمانات التشريعية الذين وفروا لنا الوقت الجراء مجموعة من المقابالت أو المشاركة في المائدة المستديرة لمناقشة المسودة النهائية للدراسة, وددنا أن نذكرهم جميعا ولكن حالت ظروف بعضهم بما جعلهم يفضلوا ان تحجب أسمائهم نظرا العتبارات مختلفة. شكرا لكم جميعا.

تونس :

مصر :

ليبيا :

الإفتتاحية :

إن حرية الرأى والتعبير هي موروث إنساني أصيل، ولكن للأسف الحد منها أيضاً هو الموروث المضاد لها على طول الخط ومنذ بدء الحياة البشرية.كما إنها من أهم محاور تأسيس دولة مدنية قائمة على الديمقراطية والمشاركة، والربط مابين حرية الرأى والتعبير والحق في الوصول للمعلومات وتداولها هو من أهم ما نصت عليه المواثيق الدولية والأقليمية لحقوق الإنسان والتي سنتناولها بالتفصيل لاحقاً في هذا القسم .
فدولة المواطنة هي تلك الدولة القائمة على مفهوم الشراكة الحقيقي، أى أن المواطن هو المحرك لقراره وهو مسئول مسئولية كاملة، فبالتالي يصبح قادراً على أن يشارك في صياغة القرارات الخاصة ببلده وسياساتها وطريقة الحكم، ولكن هل يستطيع المواطن الوصول إلى ما ذكر بدون حرية الرأى والتعبير.إن حرية الرأى والتعبير تتمثل في عرض الأفكار والآراء بالوسائل المختلفة سواء بالكتابة أو التحدث أو عمل فني دون قيود حكومية على ألا يمثل أسلوب ومضمون عرض تلك الأفكار والآراء ما يعد خرقاً أو إنتهاكاً لقانون الدولة وأعرافها، ولكن يجب أن نذكر مجموعة الحقوق الأخرى المصاحبة بالضرورة لحرية الرأى والتعبير وهي حرية العبادة والصحافة والتجمعات السلمية والوصول والنفاذ للمعلومات.

وفي الجهة المقابلة نجد أن ما يسمى بحدود حرية الرأى والتعبير أى ما لا يمثل إختراقاً أو إنتهاكاُ لقانون وأعراف الدولة أو عدم المساس بالأمن القومي للدولة عند عرض الآراء والأفكار، هو ما يجسد قضية شديدة التعقيد لأن ذلك كله بالأساس يعتمد على الظروف الأمنية للدولة كما أن نسبة الأعراق والطوائف والأديان للسكان هي التي تحدد أطر تلك الحدود، كما أن الظروف الخارجية الأقليمية والدولية للدولة أحياناً ما تلعب دوراً في رسم وتحديد تلك الحدود.وهنا يجب أن نتوقف عند تعبير عدم المساس بالأمن القومي للدولة، وهو التعبير الذي أدرج في غالبية المواثيق والعاهدات والقرارات الدولية والإقليمية المتعلقة بحرية الرأى والتعبير، وهو ما تستغله بعض الدول في التضييق على ذلك الحق الإنسان الأصيل، وذلك بعدم وضع ضوابط واضحة ومحددة لمفهوم الأمن القومي وتستخدم جمل وعبارت فضفاضة تسمح لها بتغيير المعايير والمفاهيم التي يتحدد على أساسها معنى أو مفهوم اللأمن القومي حسبما تقتضيهم الظروف، وهو ما يستلزم بالأساس وجود قوانين منظمة لعملية النفاذ والوصول وتداول المعلومات، فمثل تلك القوانين هي التي تنظم نوع وتوقيت نشر المعلومة المراد نشرها، وبالتالي هي نتظم عملية حماية قانونية للعاملين في مجالات عدة وبالأخص العاملين في مجال الصحافة والإعلام.

إن عدم وجود قانون منظم لعملية الوصول للمعلومات يسمح للدولة بالسيطرة والتحكم في مصادر تلك المعلومات ومعاقبة العامة بعدم عرض تلك المعلومات عليهم، وإبقائهم دائماً تحت تهديد المساءلة القانونية بسبب عدم ضمانهم لسلامة المعلومات التي يتلقونها ويقوموا بنشرها.
وبدًءا من عام 1994 بدأت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وهي اللجنة التي تم تشكيلها بالأساس لمراقبة تطبيق وتفعيل العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، والتي تم استبدالها بعد ذلك بمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن تأخذ شكلاً آخر في التعامل مع قضية الوصول والنفاذ للمعلومات وتداولها، وذلك عندما أصدرت توصياتها بأن تبدأ الدول بتشريع قوانين تنظم عملية الوصول للمعلومات.

ومنذ عام 1995 أخذت تصريحات المبعوث الخاص للأمم المتحدة عن حرية الرأي والتعبير تتوالى وتتزايد فيما يتعلق بالنفاذ والوصول للمعلومات والتي انحصرت جميعها على أن حق البحث والوصول والنفاذ للمعلومات هو من أهم عناصر حرية التعبير، وأن الدول اصبح لزاماً عليها وضع المعلومات التي بحوزتها أمام شعوبها بأي من طرق الحفظ والاسترجاع، ثم تطرق بعد ذلك إلى أهمية هذا الحق في العملية الديمقراطية والمشاركة والتنمية، بل ووضع مجموعة من المبادئ العامة حول حرية الاطلاع على المعلومات كما أوصى بأن تضع الحكومات تلك المبادئ نصب أعينها عند اصدار تشريعات جديدة أو تعديلات على تشريعات قائمة خاصة بعملية الوصول والنفاذ للمعلومات.
على المواطنين والمختصين أن يدركون جيداً أن التدفق غير المقيد للوصول والنفاذ للمعلومات يساهم في تصنيع رأي عام صحي وسليم، ومن هنا تظهر أهمية أن يكون المواطنو ن أنفسهم هم أهم وأول المساندين والداعمين والمطالبين لقوانين جيدة وفعالة تنظم عملية الوصول للمعلومات.

وأخيراً وجب علينا التنوية أن حرية الرأى والتعبير ستظل قائمة فهي حق إنساني أصيل ولن يستطيع الإنسان العيش بدونه مهما تم المحاولة للنيل و الحد منه، فكلما زادت محاولات النيل و الحد من هذا الحق كلما، زاد حجم المناصرين له وزادت طرق وأساليب الإبداع الفكري وتسخيرها من أجل توفير أساليب وتقنيات حديثة تضمن متنفساً واسعاً لذك الحق.

المقدمة :

هبّت رياح التغيير في كلّ من مصر وليبيا وتونس منذ 2011، تاركة وراءها نتائج مختلفة من بلد لآخر، وتتشابه في حقيقة واحدة: أن التغيير الذي طرأ على كل بلد وجبت دراسته وتوثيقه، والتمحيص فيه، لعل الباحث يجد فيه أبواب مفتوحة يمكن الولوج منها، أو ثغرات خطرة يجب طمسها، أملًا في واقع أفضل للجميع. تأتي هاته الدراسة في إطار بحث دائم عن واقع الحقوق في هاته الدول الثلاث، وتركّز على الحق في المعلومة كآلية أساسية لا لفهم الواقع فحسب، بل لتحسينه.

يبدو الحق في الوصول إلى المعلومة إشكاليًا أكثر في الدول التي تعيش مخاضًا إنتقاليًا في إتجاه أو في آخر بإعتبار حالة عدم الاستقرار والتغيير التشريعي والهيكلي الذي قد يشكل فرصة لتفعيل هذا الحق، أو على العكس، مجالًا للتضييق من نطاقه.
كما يصبح طرح مسألة الحق المعلومة إشكاليًا أكثر إذا ما تم طرحه في علاقته بمكافحة الفساد، خاصة واعتباره الأداة العملية والإجرائية للشفافية، التي تمكّن كل المواطنين من الاطلاع على خفايا الشأن العام وعملية اتخاذ القرار، وتعطيهم القدرة والسلطة للمشاركة والمساهمة في عمليات اتخاذ تلك القرارات وتقييمها. كما يمكن أن يمثل الحق في المعلومة فرصة لتقييم تطور حقوق وحريات أخرى لصيقة به، مثل حرية الصحافة والتعبير والديمقراطية التشاركية وغيرها.

تطرح هاته الدراسة أسئلة مفصلية، ذات تفرّعات تعين القارئ على إجابتها، وهي كالتالي:

كيف تبلور الحق في المعلومة؟
ما الشكل الذي يأخذه هذا الحق اليوم؟

وهنا يكمن الهدف الأساسي من هاته الدراسة: أن تخطّ مسار تبلور حقّ ما، وتدرس الوعاء الذي يحتويه في نقطة محددة من الزمن، لمحاولة تقدير الأثر الذي يمكن أن يتركه في معركة ما، نخصّ هنا الحرب على الفساد مثلًا. وإن كان تركيز هاته الدراسة على الحق في المعلومة، فمنهجيتها يمكن تطبيقها على حقوق أخرى: كحرية التعبير ودورها في النضال ضد الإستبداد، أو الحق في التظاهر كآلية للتأثير على السياسات العامة، وغيرها.

لا تطمح هاته الدراسة إلى مقاربة أو مقارنة بين الدول الثلاث، بل تركّز على كل بلد على حدة، ثم تقارن بينها في نقاط أساسية مشتركة في الأهمية، مختلفة في سياق كل واحدة منها. تتم الإجابة على السؤالين الأولين المذكورين أعلاه في كل بلد عن طريق طرح التطور التاريخي للحق في المعلومة من خلال المحطات السياسية والاجتماعية المختلفة، والبحث عن مظاهر تبلور هذا الحق في المطالب الشعبية، إن وجدت. يمهّد هذا التطور التاريخي إلى وصف الشكل الحالي الذي يأخذه الحق في المعلومة كسياسة عامة، عن طريق البحث في الأطر القانونية، بدءًا بالدستور، فالقوانين، فالأوامر والقرارات الترتيبية. يأتي بعدها التدقيق في هذا الوعاء القانوني عن طريق البحث عن التناقضات التي قد توجد، فتخلق ثغرات قد تمثّل حينًا فرصة لضمان الحق، وأحيانًا أخرى خطرًا على ضمانه. يليه بحث في المؤثرات التي قد تغيّر من شكل وأثر هذا الحق، ومنها الداخلي، كأثر مكونات المجتمع المدني أو الشارع أو هياكل الدولة، ومنها الخارجي، كالشركاء الماليين أو المؤسسات الدولية، الحكومية وغير الحكومية. فيأخذنا هذا إلى الواقع التطبيقي لهذا الحق، الذي ترسم ملامحه الدراسة عن طريق البحث في الإمكانيات التي توفرها الدولة لضمان الحق في المعلومة، والمحاولات المختلفة للتمتّع به من قبل المواطن.

تمّ الإعتماد في هاته الدراسة على جمع لمعلومات متنوعة المصادر لإيجاد الإجابات الأوفى على ‏الأسئلة المطروحة. تمّ البدء ببحث أولي في كل تغطية إعلامية تمّ الحصول عليها، وخاصة لوصف ‏التطوّر التاريخي لهذا الحق في كلّ بلد. تم أيضاً اللجوء إلى الدراسات العديدة التي تمّ إعدادها حول ‏الحق في المعلومة. كذلك، تم جمع النصوص القانونية المتوفرة لوصف الإطار القانوني للسياسة العامة ‏الخاصة بالمعلومة في كل بلد. أما المصدر الأولي الأهم، فكان المقابلات التي تمّ إجراؤها مع ‏المتدخلين في بلورة أو تطبيق هذا الحق، وقد حرص فريق الدراسة على أن تكون هاته المقابلات شاملة ‏ومطوّلة، كل لا تغيب التفاصيل الهامة التي بينها يكمن الوصف الحقيقي لهذا الحق. تمّت هاته ‏المقابلات ما بين مصر وتونس، لما في التنقّل إلى ليبيا من صعوبة تمّ تجاوزها باللقاء مع المتدخلين ‏الليبيين في تونس، أو عبر الوسائل الالكترونية.‏
الخطوة الأولى التي ترتكز عليها هاته الدراسة هي توحيد المفاهيم التي قد تأخذ أشكال مختلفة في البلدان الثلاث، وأهمها الحق في المعلومة. تبحث هاته الدراسة في الحق في المعلومة في معناه الأشمل، لكن دومًا فيم يخص المعلومة من مصادرها الرسمية. أي أن الحق في المعلومة هو الحق في الوصول إلى المعلومة الصادرة من الدولة بكلّ أشكالها، سواًء عند النشر التلقائي لها، أو عند المحاولات المختلفة للمطالبة بها والحصول عليها. يأتي هذا المفهوم في شكل مصطلحات بسيطة الاختلاف، فما يًسمّى في مصر بـ «الوصول إلى المعلومات»، تم التطرق إليه في ليبيا بـ «الوصول إلى المعلومات وتداولها»، وفي تونس، بـ « النفاذ إلى المعلومة»، أو الولوج إليها. أما التأثير، الداخلي والخارجي، فهو أي عامل خارج عن العلاقة بين من ينتج المعلومة (أي الدولة) والمتلقي لها، فيؤثّر عليها، بطريقة مقنّنة أو عفوية. أما بلورة الحق في المعلومة، فالمقصود به هو وضوح اللغة المستعملة لوصفه أو المطالبة به، ثمّ وضوح الآليات التي تفعّله، وتوسّع القاعدة الشعبية له.

من الحقوق الأخرى اللصيقة للحق في المعلومة حرية التعبير والصحافة. لا يمكن دراسة الحق في المعلومة في معزل عن هاتين الحريتين؛ فحرية التعبير هي التي تضمن المطالبة بالمعلومة أولًا، ثم التفاعل معها، وحرية الصحافة هي التي تضمن وضع المعلومات في سياقها وإتاحتها للرأي العام. يمكن القول أن حريتي التعبير والصحافة تمثلان صمام الأمان لحرية المعلومة، والوقود الذي يبقيها على قيد الحياة.

نضريا :

تسلط الدراسة الضوء على الحق في المعلومة من زوايا مختلفة، تمثّل كلّ منها منفذاً للتأثير على واقع هذا الحق في البلدان الثلاث، إن أراد القارئ أن يتصوّر دورًا له في ذلك. فزاوية بلورة الحق تقترح ثلاثة أوجه لتمظهره: (المطالبة به، وصنع الإطار القانوني المنظم له، واللجوء إلى آليات الحق في المعلومة). أما زاوية السياسة العامة المتعلقة بالمعلومة، فهي محطة يجب الوقوف فيها لفهم إلتزامات الدولة السياسية تجاه ضمان هذا الحق، والتي يمكن إستشفافها عن طريق المنتوج التشريعي والتنفيذي، والذي تلجأ إليه الدولة عن طريق مختلف هياكلها لترجمة توجهها السياسي لضمان الحق في المعلومة، إن وجد. تبحث الدراسة أيضًا في زاوية المؤثرات على بلورة الحق في المعلومة، وهي داخلية وخارجية، حكومية وغير حكومية. تقف الزوايا لدى أكثرها انفراجًا، وهي مدى تطبيق الحق في المعلومة، وهي نقطة إلتقاء السياسة العامة، وممارسة الحق في المعلومة، وتطبيق القانون. 

من المؤكد أن من الأدلة على تبلور الحق أن تصبح المطالبة به شعبية ومطلقة لا خاصة بمواضيع أو أزمات محددة، وأن يكون الإطار القانوني منيعًا من التأثيرات السلبية الخارجية أو الداخلية، وأن يكون اللجوء إلى آليات تطبيق الحق في المعلومة تلقائيًا ومستدامًا. 

بلورة الحق :

يأخذ مسار تبلور أي حق عدة مظاهر، إما متعاقبة أو متزامنة، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أوجه: (المطالبة بالحق، وصنع الإطار القانوني الخاص به، واللجوء إلى آليات الحق في المعلومة). وهي مظاهر لا خطوات لأنه لا ترتيب معيّن لها، وقد تكون متوازية، فقد يسبق صنع الإطار القانوني الخاص بالمعلومة وجود مطالبة شعبية للحق، أو أن يكون اللجوء إلى آليات الحق في المعلومة من قبل فئة معيّنة متزامناً مع مطالبة فئة أخرى بالحق. حسن تشخيص بلورة الحق تساعد في فهم واقعه بين المواطن والدولة، وحسن تقسيم الفئات التي تطالب به، وتلجأ إليه، وفهم الأطر التي تنظمها. تبرز المطالبة بالحق في المعلومة عن طريق الاحتجاج الشعبي، من مظاهرات أو حملات مناصرة أو مقالات رأي تنتقد غياب المعلومة أو النقص في شفافية عملية أخذ القرار. وقد تأخذ المطالبة بالحق شكل الاحتجاج على غياب معلومات محددة، كالاحتجاج على غياب معلومة خاصة بمرفق حيوي، أو عدم نشر قرار حكومي، أو أن تأخذ شكلًا عامًا، أي المطالبة بالحق في معناه المطلق. والمطالبة بالحق في المعلومة مظهر لتبلور الحق لدى الجهة المطالبة بالمعلومة عادة، أي المواطن في كل أشكال تنظّمه، من عدمها.

أما عن صنع الإطار القانوني الخاص بالحق في المعلومة، فهي مرحلة تأتي ما بعد تبنّيه كسياسة عامة للدولة، وإن لم يكن ذلك بالضرورة نتيجة ضغط أو مطالبة شعبية. ويُصاغ الإطار القانوني على عدة مستويات لا تأتي بالضرورة بالتسلسل الهرمي للتشريع. فالمثال التونسي شهد مرسومًا يضمن الحق في النفاذ إلى الوثائق الإدارية قبل أن يتم إدراجه كحق في الدستور، مثلًا. وغياب الحق في كل مستويات التشريع قد يمثّل فرصة لضمان الحق، كالمثال المصري، في غياب قانون يضبط الحق، والمثال الليبي، في غياب دستور مصادق عليه. وصناعة الإطار القانوني الخاص بالحق في المعلومة مظهر لتبلور الحق أيضًا، إلا أنه خاص بالجهة المطالبة بتوفير المعلومة عادة، أي الدولة في كل مستوياتها وأشكال سلطها.

أما تطبيق الحق في المعلومة عن طريق اللجوء إلى الآليات المتوفرة – والتي قد لا تكون بالضرورة مضبوطة بالإطار القانوني، فهو كذلك مظهر لتبلور الحق، إلا أنه جامع للجهة المطالبة بالمعلومة (المواطن)، والجهة المطالبة بتوفير المعلومة (الدولة)، لأنه يعكس مدى اللجوء إلى الحق ومدى الإستجابة إليه، أو عدم تمكن الدولة من حجب المعلومة، كحالات التسريب مثلًا.

السياسة العامة الخاصة بالحق في المعلومة :

إن وجود سياسة عامة خاصة بالحق في المعلومة من عدمه يتمثّل في الأطر التشريعية والتنفيذية التي تضبطه (دستور فمعاهدات فقانون فأوامر تنفيذية فقرارات فمناشير). من الأطر ما يفعّل الحق في المعلومة، ومنها ما يعرقله. وجبت دراسة كلّ الأطر المؤثرة على الحق في المعلومة، بطريقة شاملة تمكّن من تقييم حقيقة وجود سياسة عامة من عدمه.

بسبب التغيير الطارئ على البلدان الثلاث على مستويات تشريعية وتنفيذية مختلفة، يشهد النسيج القانوني تضاربًا بين دعم وعرقلة للحق في المعلومة، إما لغياب التناغم، أو لتضاربه لأسباب تاريخية أو سياسية. يمثّل التركيز على ضوابط السياسة العامة محطة مهمة لفهم النسيج القانوني، ولتقييمه، إن كان شبكة أمان، أو سجناً لهذا الحق.

المؤثرات:

كأي حقّ يذكر، يتأثر مسار تبلور الحق في المعلومة بعوامل داخلية وخارجية متعددة، تؤثر على بلورة الحق في المعلومة، والسياسة العامة للدولة، وتطبيقه. تكون المؤثرات إما داخلية، أي وطنية، حكومية كانت أو غير حكومية، وخارجية، سواء كانت نتيجة تعاون دولي، أو غير حكومي. والأثر على الحق في المعلومة لا يكون إيجابيًا دومًا، ولا يحسّن بالضرورة من واقع الحق في المعلومة، وإن غيّر في محطات مساره المذكورة أنفًا. تضيع الحقوق وتضمحل إن لم تكن المؤثرات الإيجابية أقوى وأكثر فاعلية من المؤثرات السلبية. 

يساعد تقسيم المؤثرات إلى داخلية أو خارجية على محاولة التنبؤ بأثرها ووجودها، وهو مهم على مستويين:

أولًا لقياس المؤثر الأهم واللجوء إليه حسب الأثر المرجو مستقبلًا،

ثانيًا، لتوثيق المؤثرات المختلفة لمحاولة فهم مدى إستقرار الحق في المعلومة، خاصة إن تمت دراسة أثر العوامل الحقيقي في دعمه، أو، أحياناً، الحدّ منه.

فعلى سبيل المثال، عندما يمتنع التمويل الخارجي عن دعم حملات التوعية بالحق في المعلومة التي يقوم بها المجتمع المدني، أو حينما تبقى محصورة في نطاق ضيق، فإنه لا يؤثر على أحد مظاهر الحق في المعلومة، وهي المطالبة به. أو عندما يضع الشريك المالي الدولي إطارًا قانونيًا داعمًا للحق في المعلومة كشرط لحصول الحكومة على تمويل لميزانيتها، فإنه يؤثر على نجاعة الإطار القانوني في غياب مطالبة واضحة بالحق. أو عندما يعمل المجتمع المدني والدولة على صناعة إطار قانوني “جيّد”، في غياب المطالبة الشعبية للحق في المعلومة، أو قدرة تقنية لتوفيرها في الإدارة، فقد يكون لهذا أثرًا عكسيًا على تبلور الحق، وغيرها.

This post is also available in: الإنجليزية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.