غير مصنف

أولًا: السياق التاريخي للنفاذ للمعلومات في تونس

كشف السياق التاريخي للأحداث في تونس، على أهمية النفاذ إلى المعلومة في زعزعة النظام الدكتاتوري، وقد برز ذلك بشكل خاص خلال أحداث ثورة 2011، حيث سربت آنذاك مجموعة من المواقع والمنظمات الدولية وقامت بنشر انتهاكات وفساد النظام السابق للمخلوع بن علي، وهو ما يوضح أهمية المعلومة وتداولها في نشر الوعي السياسي وفي إحراج النظام وكشفه.

وقد فتحت الثورة التونسية آفاق سياسية وتشريعية جديدة قطعت مع السياسات السابقة القائمة على التعتيم على المعلومة والتحكم فيها وأسست لعلاقة تشاركية جديدة بين مؤسسات الدولة والمواطنين تقوم على حق المواطنين ومنظمات المجتمع المدني في الوصول إلى المعلومات.

وقد قام العمل على هذا التقرير في إطار تكريس مبدأ الشفافية وضمان حق الأشخاص الطبيعيين والمعنويين في النفاذ إلى المعلومة باعتبارها حقًا دستوريًا تم التنصيص عليه في الفصل 32 من دستور الجمهورية التونسية المؤرخ في 26 جانفي/يناير 2014، كما تنبغي الاشارة إلى أن بوادر تكريس هذا الحق كانت قد برزت منذ سنة 2011 على إثر الثورة من خلال صدور الأمر عدد 41 المؤرخ في 26 ماي/مايو 2011 والمتعلق بالنفاذ إلى الوثائق الإدارية للمؤسسات العمومية، وقد تم تنقيحه بالأمر عدد 54 المؤرخ في 11 أفريل/أبريل2011.

إلا أن انتقادات شملت محدودية مجال تطبيق ذلك الأمر، ذلك نظرًا لأنه لم يكرس مفهومًا شاملًا للمعلومة كما تم الاعتماد بشكل مُعقد على الإجراءات المتبعة للنفاذ إلى المعلومة، إضافة إلى غياب هيكل مختص لرقابة حسن سير الإجراءات واحترام ذلك الحق.

لذلك ولتلافي تلك النقائص تم إقرار حق النفاذ إلى المعلومة بمقتضى قانون أساسي عدد 22 لسنة 2016 المؤرخ في 24 مارس 2016، يتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة، وهو القانون الذي كرس مفهومًا شاملًا للمعلومة إذ اعتبر القانون أن النفاذ ممكن في جميع الحالات، للمعلومات التي تخزن في شكل إلكتروني، أو في شكل وثيقة مكتوبة، أو في بنك معلومات، وهذا ما يستخلص من عمومية العبارات الواردة في النص، فمهما كان شكل أو وعاء المعلومة يبقى النفاذ إليها ممكنًا حتى ولو تم إيداعها في الأرشيف.

ومن ناحية أخرى قام القانون برسم حدود ممارسة هذا الحق. كغيره ومثله مثل كل الحقوق فقد وجب الأخذ بعين الاعتبار الحقوق الأساسية الأخرى لوضع أطر ممارستها، ووضع حد للنفاذ المطلق إلى المعلومة والذي قد يشكل خطرًا إما على المجموعة أو على الأفراد. لذلك نص المشرع في إطار الفصلين 24 و25 من ذات القانون على حدود النفاذ إلى المعلومة اذ اعتبر ان المعلومة التي تلحق ضررًا بالأمن العام أو الدفاع الوطني والعلاقات الدولية المتعلقة بحقوق الغير في حماية حياته الخاصة ومعطياته الشخصية وملكيتها الفكرية.

وفي إطار حماية المعطيات الشخصية، اعتبر المشرع في الفصل 25 من القانون أن المعلومة لا يمكن النفاذ إليها إذا ما تعلقت بهويات أشخاص أبلغوا عن حالات تجاوزات أو فساد. ولكن هذه الضوابط غير مطلقة ذلك أن الجزء الأخير من الفصل 24 ينص على أنه في صورة الرفض يتمّ إعلام طالب النفاذ بذلك بجواب معلّل، وينتهي مفعول الرفض بزوال أسبابه المبينة في الجواب على مطلب النفاذ.

تجدر الإشارة أن هذا التكريس التشريعي على أهميته قد لا يكون كافيًا لتفعيل الحق في النفاذ إلى المعلومة إذا لم تفهم مختلف الأطراف المتداخلة مضمون هذا الحقّ ومقوماته وأبعاده وحدوده والآليات والمؤسسات الضامنة له.

لعل أكبر عائق لتطبيق ناجح لقانون النفاذ إلى المعلومة هو انتهاء الاجراءات إلى المحكمة الإدارية، وتتعهد المحكمة الادارية بالطعن في قرار هيئة النفاذ إلى المعلومة أمام الدوائر الاستئنافية، وينظم الفصلين 59 و66 من قانون عدد 40 لسنة 1972 والمؤرخ في غرة جوان/يونيو 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية، ويتم رفع هذا الطعن في أجل قدره 30 يومًا من تاريخ الإعلام بقرار الهيئة، على أن يتم تقديم الطعن في قرارات هيئة النفاذ إلى المعلومة بواسطة محام لدى التعقيب أو لدى الاستئناف، وتعتبر المركزية المفرطة من أهم العوائق التي تحول دون تمكين ناجع للمواطن للنفاذ إلى الإجراءات القانونية، حيث تتركز المحكمة بتونس العاصمة وتزيد اجبارية حضور المحامي من صعوبة الموصلية ليس لحق النفاذ إلى المعلومة فقط، بل يتجاوزه لينال من حق النفاذ إلى قضاء قريب (le juge de proximité) ومنصف وعادل، كما تلقي حدود إجراءات القضاء الإداري بظلالها على حق النفاذ إلى المعلومة، فيُمثل شح الموارد البشرية عاملًا آخر يُبطئ من إجراءاتها والتي قد تصل لمدة 6 سنوات.

كذلك اختار المشرع التونسي منذ 2014 تكريس اللامركزية دستوريًا، فتمثل السلطة المحلية منظومة تنمية اقتصادية واجتماعية بامتياز، قطعت مع السلطة المركزية التي حكمت البلاد التونسية خلال الـ 70 عامًا الأخيرة، أي منذ الاستقلال، فالعمل الذي قامت به البلديات خلال السنوات الماضية منذ الانتخابات البلدية سنة 2018 لم تقم به السلطة المركزية خلال 70 عامًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.